
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||


انتقد المترجم الابرز للادب العربي الدكتور روجر ميشيل آلن، عدم اهتمام الغرب بالثقافة العربية، موضحا ان «الغرب يركز اهتمامه وتعامله مع ما ينتج من ادب إثارة لا يتمتع بالاسلوب الفني والابداعي»، واصفا في الوقت ذاته هوليوود بأنها «رمز للثقافة السخيفة على مستوى العالم».
المترجم والناقد روجر آلن العارف بالادب العربي القديم والحديث، والذي مضى على تعامله وتبنيه لهذا الادب اكثر من 47 عاما، وصف بعض الكتاب والكاتبات العرب بأنهم «يكتبون ادبا هابطا هو ادنى نوع من الادب».
وقال آلن لـ«الإمارات اليوم» خلال مشاركته في ملتقى الشارقة للرواية،«هناك اختلاف بين انجلترا وأميركا بالنسبة للاهتمام بالادب العربي، فالاهتمام في بريطانيا جاء نتيجة الاستعمار لبعض المناطق العربية، حيث بدأ الاهتمام من خلال المستعمرين والمبشرين».
في حين عزا اسباب عدم الاهتمام الاميركي بالادب العربي الى «البعد الجغرافي من الشرق الاوسط والشرق الاقصى، إذ إن المناطق الاكثر بعدا عن العرب جغرافيا تتمثل في كندا وأميركا، وتضمّان اكثر نسبة في العالم من الناطقين باللغة الانجليزية»، موضحا ان الادب العربي في كلا البلدين يعتمد على مشاريع الترجمة، إذ إنه تعاون مع مترجمين أوروبيين واشترك في مشاريع عدة لترجمة جوانب في الادب العربي.
الدكتور آلن وهو واحد من بين خمسة مختصين في الادب العربي على مستوى الولايات المتحدة الاميركية، صنف الدول الاوروربية التي تهتم بالادب العربي، مؤكدا ان فرنسا تأتي في المرتبة الاولى، تليها المانيا، ثم ايطاليا، فإسبانيا، بينما تأتي انجلترا بعد كل هذه الدول. مشيرا الى ان «تلقي الادب العربي في الغرب ضعيف جدا، والسبب يعود إلى عدم معرفة الجمهور في الغرب بالعالم العربي، وعدم وجود فرص نشر الكتب المترجمة.
كما ان سيطرة الاوساط الاعلامية وغيرها المعادية للعرب يمنع انتشار الادب العربي في اميركا». موضحا ان «العلاقة بين السياسة والثقافة ضعيفة جدا، خاصة في اميركا، فالادب في الولايات المتحدة ظاهرة جانبية جدا، ليس لها أي اهمية سياسية».
وعن وضع الرواية الاميركية، قال «انها تواجه ازمة»، منتقدا بشدة نوعية الافلام التي تنتجها هوليوود، «الولايات المتحدة مركز انتاج الافلام السخيفة جدا بالنسبة إلى القيم، واسم هوليوود رمز للثقافة السخيفة على مستوى العالم، لا يمكن ان نقول ان هوليوود مسؤولة عن انتاج الافلام الجيدة في العالم».
نقد الكتاب والقراء
وحول المستوى الفني للرواية العربية، انتقد المترجم العالمي آلن عددا من الروائيين العرب، وبينهم من حقق شهرة واسعة عربيا، مثل المصري علاء الأسواني والجزائرية احلام مستغانمي والسعودية رجاء الصانع، «في ما يتعلق بالرواية العربية، احب ان استعرض نماذج من كتابها، مثل علاء الاسواني، فمن زاوية فنية يعدّ انتاج هذا الكاتب من ادنى المستويات، ورغم ذلك يبيع آلاف النسخ من رواياته مثل «عمارة يعقوبيان» التي تحولت الى فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه، وتشترك معه ايضا رجاء الصانع صاحبة رو
أجراه حسن المصدق
- كيف للعالم العالم العربي أن يحمي ثقافته من خطر الذوبان في ثقافة العولمة؟ بمعنى أي مستقبل ينتظر الثقافة العربية في تداعيات أنقاض فشل المشاريع القومية وبرامج الحركات الإسلامية السياسية؟ هل ثمة بديل وسط بين ضرورات العولمة وبين خصوصية المجتمعات العربية؟ أم أنك مع الذين يدافعون عن ضرورة تمثل قيم العولمة من فردية ومنافسة وانفتاح؟
غليون:
لم أعتقد لحظة في أن هناك تناقضا بين الحفاظ على الهوية وتمثل واستيعاب التجديدات الحضارية والقيم المرتبطة بها، العلمية منها والتقنية والإدارية والسياسية والاقتصادية. فليست الهوية مستودعا للقيم الثابتة، او كما أقول عادة ليست ماهية لا تتغير ولا تتحول، ولكنها إرادة استقلالية وقوة ذاتية. وليس لنا كذات جماعية حظ في الاحتفاظ باستقلاليتنا وشعورنا بتميزنا وعنايتنا بثقافتنا وارتباطنا بتاريخنا سوى بتمثل القيم الحضارية الإنسانية التي تمكننا وحدها من أن نكون ذاتا فاعلة في التاريخ وطرفا في تقرير المصائر العالمية. ومن دون ذلك سنسقط أكثر فأكثر في أزمة هوية ونتنازع في ما بيننا على اقتسام تراثنا الثقافي وتشييئه، وتتفتت صورتنا الذاتية. وخير مثال على ذلك تركيا التي لم تكن أكثر قومية ولا أقرب إلى تراثها الديني وتمسكا به مما هي عليه اليوم بعد أن حققت جزءا من ثورتها الصناعية، وأصبحت شريكا حقيقيا للكتلة الاوروبية، حتى لو انها لم تدخل بعد كعضو في الاتحاد الأوروبي. واصرارها على الدخول فيه يعكس ثقتها بنفسها لا ضعفا في هويتها ولا هربا منها. بالعكس أوربة هي الخائفة من إدخالها إلى دائرتها الثقافية.
- ما رأيك في الربط الحاصل في خطاب الحركات الإسلامية والقومية بين العولمة والأمركة، إلى أي حد صحيح هذا الربط؟ وهل يمكن أن نرفض العولمة بسهولة؟
غليون:
يأتي الريط من واقع أن الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب وزنها الاستثنائي في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك في الصناعة الثقافية، بل خاصة في هذه الصناعة الحساسة، وتفوقها التكنولوجي وريادتها في ثورة المعلومات، هي الاكثر تحكما في آليات العولمة وسيطرة عليها. وهي تستخدمها بالتاكيد لخدمة مصالحها القومية وتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز دورها ومواقعها الاستراتيجية. من لا يرى هذا لا يرى حقيقة ما يجري في عالمنا.
بيد أن تاكيد ذلك لا يعني أن العولمة ثمرة إرادة أمريكية في السيطرة على العالم. إنها ثمرة طفرة تقنية تستغلها الولايات المتحدة بسبب ما تتمتع به من قوى وموارد وإمكانيات استثنائية لتفرض إرادتها. لكن ديناميكيات العولمة تتجاوزها هي نفسها، وتهدد مع الزمن بقلب المعادلة تماما ضدها. وأكبر مثال على ذلك الصعود المضطرد للقوى الآسيوية الصينية والهندية على أرضية العولمة نفسها. وليس الحل في رفض العولمة أو إدانتها أو الهرب منها، لأنه لا حل بالهرب من واقع قائم، وإنما بتغيير هذا الواقع، والعمل مع القوى المتضررة من العولمة الليبرالية، أي الأمريكية، فهي أمريكية لأن أمريكا مركز السوق الليبرالية، في سبيل ضبط حركتها وإخضاعها لقيم ومباديء تحفظ استقرار المجتمعات وتضامنها وتماسكها بدل أن تقود إلى تفتتها وتفريغها من الروابط التضامنية.
وإذا كان هذا التحليل صحيحا، فقسم كبير من المسؤولية يقع على الدولة الصغرى، وفي مقدمها الدول العربية التي كانت ضحية العولمة الرئيسية، في عدم القيام بالتحويلات والمبادرات اللازمة لتجنب الانجراف في طوفان العولمة وتأمين الشروط التي تمكن من السباحة فيها ومواجهة التحديات التي تنجم عنها. فهل تبنت الحكومات العربية سياسات وبنت استراتيجيات إقليمية ضرورية لتجنب هذا الانجراف، أم استمرت تعيش كما لو لم تكن هناك مخاطر ولا ضرورات لتغيير السياسات والخيارات التقليدية، الإقليمية والوطنية؟ باختصار أصبحت العولمة قدرا لأننا لم نسع إلى فهم آلياتها ولا اتخذنا الإجراءات الكفيلة بتعزيز مواقعنا أمام العواصف التي تهب منها. العولمة لا ترفض ولا تدان ولكن تواجه بسياسات واستراتيجيات تثقيل ذاتية، وتجميع للقوى والموارد العربية والإقليمية، لا بإطلاق الحروب والنزاعات وتغذية الأحقاد الدينية والقومية والطائفية والعشائرية. يقع القسم الأكبر من المسؤولية على نخبنا الحاكمة والتي لا تكاد تهتم بمصير شعوبها ومجتمعاتها ولا تفكر إلا بخدمة مصالحها الخاصة، كما يقع أيضا على المثقفين والناشطين الذين ألهتهم المماحكات والنزاعات الشخصية والبحث عن البهارج والانتصارات الكاذبة عن أخذ الأمور بجدية والعمل على بناء وعي نقدي وموضوعي بموضوعات التحول الدولية الخطيرة التي برزت في العقود الماضية، وفي مقدمها العولمة عند الرأي العام.
- الطفرة التكنومعلوماتية تلقي بظلالها على العالم، ما هو السبيل لكي يتدارك العالم العربي في نظرك تخلفه والعثرات التي رافقت تحديث البلدان العربية؟ هل ما زالت ثمة حاجة إلى تنمية مستقلة في ظل عالم أصبح مرتبطا أقصاه بأدناه؟ أم أن التنمية في الحقيقة اليوم تنطلق من مزيد ارتباط الوطني بالعالمي والبحث عن الهامش من الحركة في هذا الارتباط، بحيث لا مجال لتنمية مستقلة.
غليون:
أصبجت التنمية بالتاكيد قضية عالمية، من جهة لأن الترابط بين أجزاء العالم على المستوى الاقتصادي (الرساميل، التمويل، الاستثمارات، التقنيات، الخبرات، الأسواق إلخ) لم يعد من الممكن تجاوزه أو التغاضي عنه، ومن جهة ثانية لأن أي بلد لا يستطيع اليوم أن ينعزل بنفسه ويقيم اقتصاده على أسس وقوانين خاصة به، أو مغايرة لتلك السائدة في عالم اقتصاد السوق الموحد أو شبه الموحد. لكن هذا لا يعني أن صيغة هذه السوق مثالية أو أنها ليست قابلة للنقاش والتعديل من قبل الدول والمجتمعات. كما لا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى سياسة مركزية وطنية، وأنه يكفي فتح البلدان والأسواق بتطبيق السياسات ا لليبرالية، كما هو سائد في بلداننا، حتى تتحقق التنمية. بل إن العكس هو الصحيح. لم تكن الحاجة إلى تفاهم بين الدول الصغيرة والكبيرة لضبط مسار العولمة الليبرالية، ولا لبلورة سياسة وطنية ذكية ونبيهة ومخلصة لمصالح الكتلة الوطنية الواسعة، كما هي عليه اليوم. ذلك أن غياب التفاهم الدولي الذي يستدعي مفاوضات جدية وعادلة لا يمكن إلا أن يقود إلى تفاقم التناقضات والتشوهات التي تفرزها العولمة المنفلتة من عقالها، تماما كما أن غياب الإدارة والقيادة النبيهة والنشيطة ذات الرؤية الوطنية داخل كل دولة يهدد بأن يجعل من الاقتصاد المحلي مزرعة لرجال المال والأعمال وشبكات المافية الدولية. وهذا ما نشهده بالفعل في منطقتنا ومناطق أخرى متخلفة مثلنا في العالم. وشرط وجود هذه القيادة والسياسة الوطنية المرتبطة بها تعزيز مشاركة الشعوب في الحياة العامة وتنمية وعيها الجمعي وحسها بالمسؤولية وإشراكها في عمليات اتخاذ القرارت على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية. نعم هناك مكان إذن للسياسة الوطنية التنموية وللخطط الرؤيوية حتى لو لم تكن هناك تنمية متمحورة حول الذات ومسورة بالحدود الوطنية. هذا يعني أنه كما أن من الممكن أن تقوم التنمية على خيارات وطنية، أي تلحظ مصالح السكان وكتلتهم الرئيسية، يمكن أن تقوم على خيارات تبدو عشوائية لكنها لا تخدم في الواقع سوى أصحاب المصالح الكبرى المرتبطين هم أنفسهم بالشركات العالمية والمنخرطين في الاقتصاد الدولي.
- هل سيستطيع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فرض الليبرالية في النهاية، ومن ثم يمكن قراءة تداعيات مراحل التقويم الهيكلي على الرغم مما ما رافقها من انتقادات حادة، أنها أثبتت هذا الخيار على اقتصاديات دول الجنوب والشرق، ما انتهى بها إلى السعي إلى مطابقة سياساتها الاقتصادية مع معايير اقتصاد السوق ولو بالإكراه والضغوط، بخاصة أن خلق الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (Nepad) سنة 2001 مثلا، انتهى إلى تبني "توافق واشنطن" ( مجمل سياسات الإصلاح الليبرالي المفروضة من طرف صندوق النقد الولي والبنك العالمي)؟
غليون:
لم يعد صندون النقد الدولي هو الذي يفرض السياسات الليبرالية على الدول. أصبحت هذه الدول نفسها هي التي تهرع للأسف إلى تطبيق وصفات هذا الصندوق، والمزاودة في تقديم التنازلات السياسية والقانونية، لتضمن اجتذاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية، حتى لا تبقى خارج الدائرة الاقتصادية العالمية، وتؤمن فرص العمل اللازمة لشبابها الباطل عن العمل. إذن لم يعد تبني اقتصاد السوق موضوع جدال واخذ ورد كما كان عليه الحال في الحقبة السابقة التي سيطرت عليها نظريات التنمية الاشتراكية والمستقلة. ما أصبح موضوع جدال هو أمرين. الأول: أي اقتصاد سوق على المستوى القطري ينبغي تطبيقه، وما هي الإجراءات وشبكات الحماية الاجتماعية وآليات توزيع الدخل وضبط التفاوت بين فئات الدخل المختلفة. والثاني ما هي السياسات التي تضبط اقتصاد السوق العالمية وتحدد آليات عملها لتضمن فرصا فعلية للتنمية في البلدان الفقيرة، وتجنب العولمة من أن تكون آلة جبارة لتركيز الثروة بين يدي دول محدودة تسيطر على الانتاج والتجارة الدولية، على المستوى العالمي، وتجميع الثروة، داخل هذه الدول القليلة نفسها، بين يدي نسبة محدود وصغيرة من السكان، وترك جماعات كبيرة على قارعة الطريق أو في المعازل والضواحي البعيدة والمهمشة. السؤال يتعلق في الحالتين إذن بالبعد الاجتماعي للسياسات الاقتصادية القائمة على السوق. وهذا ما يميز السياسات الليبرالية المحافظة عن السياسات الاشتراكية الديمقراطية التي تتقاسم السيطرة الايديولوجية اليوم في العالم. فالأولى تعتبر التحرير الاقتصادي من دون شروط كفيلا بحل التناقضات الاجتماعية والسياسية التي يخلقها تراكم رأس المال، ولا حاجة إلى تدخل سياسي كبير من قبل الدولة لتعديل المسارات القائمة وتشذيبها وضبطها، والثانية تدعو بالعكس إلى ربط اقتصاد السوق بسياسات اجتماعية تعزز تضامن المجتمع وتضمن قدرا كبيرا من العدالة والمساواة واحترام الحياة والكرامة الإنسانية، ولا تعتبر أن معايير الربحية والمردودية الاقتصادية كافية لإقامة مجتمع إنساني متكافل، حتى لو نجحت في إقامة اقتصاد نشيط وديناميكي. وهذا أيضا مشكوك فيه.
- ما مدى صحة شعار " حوار الحضارات" الذي رفع كبديل ل"صدام الحضارات" في بداية الألفية الثالثة؟ أم أن الشعار الأول والشعار الثاني مجرد شعار أيديولوجي تم تسويقهما على إثر أحداث 11 شتنبر؟
غليون:
في مواجهة رياح الحرب التي هبت من الأطلسي باسم الصراع بين الحضارات، وعلى ضوء تبدل موازين القوى الدولية بعد انهيار الكتلة السوفييتية وتبخر حركات التحرر الوطنية، أطلق بعضنا في العالم الاسلامي فكرة حوار الحضارات، من جهة كرد على حرب الحضارات، ومن جهة ثانية كوسيلة لتأكيد وجودنا على المستوى الثقافي والدفاع عن هويتنا كما اعتقد الكثيرون، في وجه السيطرة المتنامية للثقافة الغربية. وليس من قبيل الصدفة أن الغرب تلقف بسرعة هذا الشعار ورحب به، بعد أن رفض منذ عقود ولا يزال يرفض أي مشروع لحوار دولي ولمفاوضات شاملة تشارك فيها جميع التكتلات والجماعات السياسية وتطرح مشاكل العالم الحديث للبحث· ففي تصويره العالم على أساس وجود حضارات مكتفية بنفسها ومنغلقة على ذاتها، تخضع لها الشعوب المختلفة، يوحي هذا الشعار بغياب المسؤوليات الدولية عما يحدث للشعوب وتفسير ما يعيشه معظمها من حالات مأساوية، مع تزايد الفقر والبؤس والتهميش والتسلط والديكتاتورية وتفكك الدول والجماعات، اعتمادا على منظومة قيمها وتراثها واعتقاداتها الدينية. فهو يحمل مسؤولية نشوء هذه الأوضاع وأسباب تطورها إلى الخصوصيات الحضارية، ويتجاهل دور السياسات الدولية الواعية والمختارة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية معا، وما قادت إليه من إدماج العالم في حركة واحدة، وما نجم عنها من توزيع غير عادل للموارد المادية والمعنوية معا·
وبهذا المعنى أعتقد أن التنازل الذي يمثله حوار الحضارات هو جائزة الترضية المسمومة التي قدمتها لنا الدول الصناعية الكبرى التي تسيطر على شؤون العالم، تعويضا عن التدمير المستمر الذي تحدثه سياساتها في ثقافاتنا ومجتمعاتنا نفسها.
ومع ذلك ليس لنا مهرب الآن من خوض هذا الحوار، على أمل تطويره وتحويله إلى مفاوضات سياسية متعددة الأطراف حول المصائر العالمية. فإذا لم نفعل ذلك، أو أخفقنا فيه، وقبلنا الدخول في لعبة المباراة بين الحضارات والثقافات وقيمها الدينية والتراثية، سنلعب لعبة الدول الصناعية التي تريد استخدام حوار الثقافات والحضارات للتغطية على مسؤولياتها الدولية، مقابل إرضاء المسلمين والجماعات الثقافية الضعيفة الأخرى ببعض التنازلات المعنوية في ميدان الاعتراف الشكلي بقيمة الحضارات والثقافات غير الأوربية وحقها في التعبير عن نفسها، أو في تطبيق قيمها داخل مجالها الخاص· وفي هذه الحالة لن تكون نتائج حوار الحضارات هذا أفضل من تلك التي نتجت عن الدعوة التي انتشرت في الستينات من القرن العشرين لاحترام الاختلاف الثقافي، وكان هدفها الاعتراف الشكلي بالهوية الثقافية الخاصة بكل شعب بديلا عن مناقشة جدية لبرنامج إصلاح النظام الدولي على الصعيد الاقتصادي والإعلامي والعسكري معا·
- التحولات الدولية في بداية الألفية الثالثة، انعكست تشرذما وتفاقما للأزمة في العالم العربي. ذلك أن مشروع الشرق الأوسط الكبير حمل معه تفتيت الحد الأدنى من السياسات العربية الذي كان قائما ولو اسميا، لكن الجديد في الشرق الأوسط ظهور المحور السوري الإيراني.
بوصفك مطلعا على ما يجري في دمشق، هل ترى ثمة مصداقية في خروج قادة دمشق عن الخط العربي في مواجهة الأطماع الإيرانية في العراق ودول الخليج العربي؟ وكيف تنظر إلى حالة العزلة التي تعيشها سوريا حاليا بعد أن اصبحت في واجهة الأحداث بمناسبة أو بدون مناسبة، وبالتالي ما هو السبيل للخروج من عنق الزجاجة الحالي؟ وهل تراهن على عودة دمشق إلى الصف العربي؟
غليون:
العالم العربي مفتت قبل مشروع الشرق الاوسط الكبير. وتفتته هو النيتجة الطبيعية لإخفاق نظامه الجماعي، أعني جامعة الدول العربية، وهي المقصودة بالنظام العربي، في تحقيق المهام التي أقيمت من أجلها، أو التي اعتقدنا أنها أقيمت من اجلها، سواء أكان ذلك تأمين الأمن للدول العربية، أو الوقوف في وجه التوسعية الاسرائيلية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، أو خلق شروط التنمية الاجتماعية والانسانية في المنطقة العربية. في جميع هذه المجالات فشل النظام العربي ولم يعد له صدقية في نظر أصحابه، من المسؤولين والرأي العام معا، وفقد بالتالي مبرر وجوده. ما هو قائم منذ الحرب العراقية الأولى هو واجهة شكلية لجامعة عربية لا وزن لها ولا دور.
وهذا ما يفسر سعي الأطراف العربية المختلفة إلى إعادة إدراج نفسها في منظومات خارجية بصورة مباشرة وعلنية، كما فعلت دول الخليج التي وقعت جميعا على اتفاقيات استراتيجية، وأعادت فتح القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، أو المغرب العربي الذي اتجه نحو أوروبة والولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي، أو سورية التي احتمت بالجمهورية الإسلامية الايرانية.
بالتأكيد لم يخدم إعلان التحالف الاستراتيجي هذا سورية. فقد وضعها في معسكر واحد مع ايران الاسلامية التي تثير سياستها تحت قيادة أحمدي نجاد حفيظة الكتلة الغربية، وأقلق كثيرا بلدان الخليج وباقي الدول العربية التي تشعر بأن أحد أقطاب منظومتها قد انتقل إلى الصف المقابل، بدل أن يكون ظهيرا لها في مواجهة ما تعتقد أنه سياسات ايران ومطامحها القومية الهيمنية. لكن هذا التحالف وإن عزل سورية إلا أنه أمن دعما كبيرا للنظام من الناحية الاستراتيجية والسياسية والمالية. ومن دونه ربما لم يكن بإمكان النظام الاستمرار في مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والاوروبية.
ليس المطلوب من النظام السوري في نظري فك تحالفه مع ايران بالضرورة، ولكن استخدام علاقاته بها، كما كان يفعل النظام في عهد الرئيس السابق، لصالح الأهداف العربية. لكن هذا يقتضي مسبقا التفاهم حول هذه الأهداف مع الدول العربية، وقبل ذلك وضع مصالح النظام في الدرجة الثانية بعد المصالح الوطنية السورية. وهذا ليس بالأمر السهل ولا الممكن ربما اليوم.
- كيف تنظر إلى مستقبل العراق؟ ما هو المطلوب عربيا في إنقاذه من خطر التمزيق العرقي والانقسام الطائفي؟
غليون:
في إطار الصراعات الدامية التي تعرفها المنطقة المشرقية ليس من السهل لمن يسقط أن يستطيع الوقوف على قدميه من جديد. وقد سقط العراق بسبب تفكك لحمتة الوطنية بعد عقود طويلة من الطغيان الفردي والحكم العشائري الشمولي الذي لم يترك متنفسا لحياة سياسية ولا لقانون ولا لكرامة إنسانية. لم يفعل الأمريكيون في سعيهم لإلحاق العراق بممتلكاتهم الامبرطورية، بوصفه من البلاد التي تملك أكبر احتياطيات للنفط في العالم، سوى استثمار هذا الهشيم الانساني الذي خلفه الطغيان وإعادة تثميره في بناء دولة ضعيفة متقاسمة بين الطوائف والعشائر البدوية، لا يستقيم نظامها ولا يستقر من دون وساطة الدولة الأمريكية ووصايتها المباشرة والدائمة. وبالرغم من الإخفاق المدوي لمشروع احتلال العراق، والخسائر الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة فيه، لا يزال هدف واشنطن قائما لم يتغير، أعني وضع اليد على العراق وعدم التراجع عنه مهما كان الثمن، وفي سبيل ذلك الاستمرار بالتلاعب بمكوناته الطائفية والعشائرية وإثارة النزاعات في ما بينها إذا لزم الأمر. ولا أعتقد أن العرب يمكن أن يلعبوا دورا في انقاذ العراق. فمن جهة هم أنفسهم لم يعودوا يشكلون لاعبا إقليميا يحسب له حساب، قادرا على المبادرة والتأثير، كما أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بالتخلي عن العراق أو تقاسم النفوذ فيه مع العرب، حتى لو كانوا من خيرة حلفائها. يمكن لواشنطن أن تستخدمهم كأدوات لكن لا كشركاء كاملين أو جزئيين. على العراقيين أن يراهنوا على انفسهم ويتجاوزوا خلافاتهم ويكتشفوا الطريق المسدود للمنافسات الطائفية والمنازعات العشائرية. وإذا لم يصحوا هم أنفسهم ويستيقظوا سيكون طريق الخلاص طويلا جدا.
- ما هي الخيارات البديلة أمام العرب في لعبة شد الحبل التي تجري في العراق لبنان وفلسطين بين أمريكا وإيران بسبب الملف النووي والموقف من إسرائيل وسياسة أمريكا في الشرق الأوسط؟
غليون:
ليس لهم خيارات كما ذكرت. فأنظمتهم نفسها بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة ومباركتها للبقاء والاستمرار، وليس لأي منها أجندة إقليمية. وحتى في قضية مركزية وتاريخية مثل قضية فلسطين، لم يعد للعرب حضور تقريبا، وبات على الشعب الفلسطيني أن يواجه وحيدا عتاة الحرب الإسرائيلية.
- هل ترى فيما تقوم به إيران من تدخل سافر في الشرق الأوسط، سيعمي الدول العربية من رؤية حجم المآسي التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في العراق؟ أم أن الأخطبوط الإيراني يوازي في درجته قذاعة التدخل الأمريكي؟ وبالتالي ليس من خيار أمام العرب غير رفضهما معا. وهل ثمة خيار أصلا في لعبة هذه المعادلة الصعبة؟
غليون:
على العرب، أعني الحكومات العربية، إذا لم تشأ أن تخسر جميع رهاناتها في المنطقة لصالح ايران والولايات المتحدة اللتين تتقاسمان عمليا النفوذ اليوم وتفرضنا أجندتهما عليها وتحولانها إلى ساحة لحرب باردة وربما ساخنة جديدة، أن يفتحوا مفاوضات شاملة وجدية مع جميع الأطراف، ويسعوا إلى التوصل إلى اتفاقات حول المسائل العالقة والمتنازع عليها، الامنية والسياسية وغيرها. وليس لهم مخرج آخر غير ذلك. لكن حتى ينجحوا في فتح هذه المفاوضات ينبغي أن يحظوا بالصدقية، ولا يمكن لهم تحقيق ذلك من دون النجاح مسبقا في التفاهم في ما بينهم وتأكيد وحدة صفهم واستقلالهم تجاه الكتل والأقطاب الخارجية والأجنبية، الايرانية والأمريكية معا. وهذا يتطلب قيادات أخرى أكثر تحسسا للمصالح الوطنية لشعوبها من البحث عن تأمين المغانم ومراكمة المنافع لهم ولأبناء أسرهم وأحفادهم وأزلامهم وأنصارهم. لا يدفع كل هذا إلى التفاؤل كما ترى.
- كما هو معروف، الحرب هي أفضل تعبير عن مأزق السياسة، أو لنستعير عبارة البارون كلاوزفيتش، هي “مواصلة السياسة بطرق أخرى”… فبرأيك، من المسؤول عن المأزق السياسي الذي يعاني منه لبنان سواء قبل الحرب الإسرائيلية أو بعدها؟
غليون:
لم يكن من السهل على لبنان الذي يقع بين سورية وإسرائيل المسلحتين حتى العظم، واللتين تعيشان حالة حرب دائمة، أن يجنب نفسه التحول إلى مسرح لحرب بالوكالة او حرب ثانوية توفر على البلدين الحرب الشاملة وتسمح لهما بالاستمرار في الضغوط المتبادلة في الوقت نفسه. وتاريخ لبنان منذ الثمانينات تاريخ سعي الطرفين القويين على السيطرة عليه لتأمين مواقع استراتيجية ضد الطرف الآخر. فالصراع على لبنان هو جزء من الحرب الإقليمية الرئيسية التي تفجرت منذ أكثر من نصف قرن حول فلسطين ومن ورائها على السيطرة الاستراتيجية على المشرق العربي، والتي لم تحسم بعد ولم تنته.
لكن ليس هناك شك أيضا في أن نوعية النخبة اللبنانية الحاكمة والسائدة، ونظامه القائم على التوزيع الطائفي للحصص والمناصب ومواقع النفوذ، قد أضعف الدولة اللبنانية ومنع من بناء وطنية قوية قادرة على ضمان وحدة الشعب والدفاع عن استقلال البلاد . وكما انجرف طرف منها نحو الدولة الاسرائيلية لتحسين موقفه تجاه الطرف الآخر في الحرب الأهلية، التحق آخرون بالدولة السورية وراهنوا على دعمها كي يمنعوا لبنان من التحول إلى منطقة نفوذ إسرائلية. ولا يزال هذا الوضع قائما بطريقة أخرى اليوم. فانسحاب السوريين من لبنان خلف خوفا عند جزء من الرأي العام من أن يتحول لبنان إلى محمية أمريكية، بينما يدفع الدعم الذي تقدمه سورية لحزب الله إلى تنمية مشاعر الخوف لدى فئة أخرى من الرأي العام الذي يخشى عودة الوصاية السورية بصورة غير مباشرة. والواقع أن تحول لبنان إلى مسرح صراع بين سورية وإسرائيل واليوم بين المحور السوري الايراني والمحور الأمريكي الاسرائيلي لا يمكن فصله عن تفكك الوطنية اللبنانية وانقسام اللبنانيين ونخبتهم نفسها. لكن في المحصلة، كما أن أزمة لبنان جزء من أزمة المنطقة، ليس لمشكلة لبنان حل خارج عن حل مشاكل المنطقة وبعيدا عنه. لن يمكن تأمين لبنان من دون معالجة الملفات الرئيسية، الفلسطينية والسورية والايرانية.
- أود أن أسألك عن علاقة هذا كله بالقضية الفلسطينية، باعتبار أن الحركة القومية العربية والحركات الإسلامية ركزت منذ الانطلاق على محورية هذه القضية واعتبرj القضية الفلسطينية قضية وطنية. هل ترى أن فشل القومية العربية والحركات الإسلامية كان له تأثير سلبي على حل القضية الفلسطينية؟ وبعبارة أخرى، هل انعدام الحل الى حد الآن هو أيضا نتيجة لفشل العمل القومي العربي والإسلامي معا؟
غليون:
دعني أقول إن أصل المشكلة كلها هي القضية الاسرائيلية وجذورها القائمة في المسألة اليهودية أكثر منه في القضية الفلسطينية. القسم الأكبر من الحروب والأزمات وانفجار العنف المأساوي في الشرق الأوسط هو النتيجة المباشرة أو غير المباشرة لحل المسألة اليهودية بالطريقة الهمجية التي حلت بها، أي على حساب شعب كامل ومقابل تشريده من أراضيه وتحويله إلى لاجئنين، وإنكار حق هؤلاء في العودة إلى أراضيهم، والسعي بجميع الوسائل إلى محو قضيتهم من السجلات الدولية، وإذا أمكن تغييبهم كليا وإنكار وجودهم كشعب وكقضية وكحالة إنسانية. كل ما حصل بعد ذلك وفي سبيل ذلك صدر عن إرادة فرض دولة يهودية بالقوة، وجعلها دولة صافية قدر المستطاع والسعي إلى تأمينها بالوسائل العسكرية. من هنا بدأت الحروب وسباق التسلح وصعود الشعبوية العربية، القومية أولا ثم الإسلامية، والنزاعات بين القيادات العربية على الزعامة الإقليمية العربية، والديكتاتوريات العسكرية، وسيطرة الأجهزة الأمنية، والنزاعات العربية العربية، والمزاودات في إظهار الوطنية، والكذب على الرأي العام وخداعه، ولاحقا الدمار السياسي والأخلاقي الذي عرفته المجتمعات العربية، بشكل خاص المشرقية. أما القومية العربية فلم تكن جزءا من الحل ولكن جزءا من المشكلة، وما كان بإمكانها أن تنجح، وتحل المسألة الاسرائيلية، أي تفرض على إسرائيل احترام حقوق الشعب الفلسطيني. أولا لأنها بقيت حركة شعبوية كما ذكرت، أي قائمة على الحماس والتعبئة العاطفية أكثر من قيامها على مشروع بناء وطنية منظمة قادرة على اتباع سياسة منهجية في التنمية الاقتصادية والتقنية، وثانيا لأن إسرائيل لم تكن مقتصرة على الخريطة الفلسطينية ولكنها كانت تشكل رأس جسر لعالم يمتد من المتوسط إلى الأطلسي يعتقد أن إنقاذ اليهود والدفاع عنهم في دولتهم الجديدة أمانة في عنقه وعنق الإنسانية.
- من بين الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، هناك الحل السعودي الذي يتميز بكثير من الواقعية السياسية. كيف تفسر الشعور السياسي بالمرارة والغضب من عدم التفات الولايات المتحدة الأمريكية إلى مخطط السلام أو مقترح الحل العربي. ما هو تحليلك للموقف؟
-غليون:
تقصد المبادرة السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية. المشكلة ليست ولم تكن في أي وقت في الطرف العربي. فلم يتردد العرب في الحديث عن خيار السلام وتاكيد الاستعداد للقبول بتنازلات واهمها الاعتراف بإسرائيل نفسها التي قامت على أرض فلسطين التاريخية. وللملكية السعودية مبادرة سابقة في المعنى نفسه تبناها العرب أيضا في مؤتمر فاس عام 1988. المشكلة كانت ولاتزال في الطرف الاسرائيلي الذي أقام دولته على أرض فلسطين وفرضها بالقوة من طرف واحد، ولا يزال يريد فرض الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية والاستيطان الزاحف. وواشنطن لن تضغط على إسرائيل ولا تشعر أن من مصلحتها مساعدة الدول العربية أو تخفيف الضغط الاسرائيلي وغير الاسرائيلي عنها. فبتشديد هذا الضغط وحده تستطيع أن تحكمها وتفرض الوصاية العملية عليها.
- هل يتحمل الفرقاء الفلسطينيون وزر هذا الإهمال، نظرا لما لم بهم من تناحر. أم أنك ترى في الدور الإيراني مزايدة سياسية، تعمق من الاختلافات العربية؟
غليون:
طهران تريد بالتأكيد في مواجهتها مع واشنطن لامتلاك التقنية النووية وتأمين نفوذها القومي الإقليمي أن تكون لها أدوات عمل ونفوذ قوي عند القوى العربية، خاصة الفلسطينية واللبنانية والسورية. فبذلك تتمكن من الضغط على واشنطن لإجبارها على احترام طموحاتها القومية. لكن المسؤولية الرئيسية عما يحصل في فلسطين تقع على العرب أنفسهم، فلسطينيين وغير فلسطينيين، فتحاويين وإسلاميين.
- انتهت مفاهيم القومية العربية أو لنقل شعاراتها الأيديولوجية إلى فشل ذريع، هل ما زلت تؤمن بأن العرب يشكلون أمة واحدة؟ وإذا كان الجواب نعم كما دافعت عنه في كتابك ( المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، ما هو الطريق إلى بناء تكتل عربي جديد، وما هي الأسس الجديدة التي ستقوم عليها الوحدة.، إن رغبنا عدم السقوط من جديد في جب الدعاوي الوحدوية التي قامت على أسس بعينها دون أخرى. وكان من نتائجها كوارث كبرى كالتي حبل بها النظام البعثي في العراق؟
غليون: لم أقل في كتاب المحنة العربية أن العرب بشكلون أمة واحدة ولكن قلت إن طرح المسألة نفسه لم يعد له معنى، فسواء كانوا أمة واحدة أم لم لا لن يغير هذا من الأمر المطروح عليهم شيئا، وهو ضرورة بناء كتلة اقتصادية وإذا أمكن سياسية وعسكرية قادره على تأمين شروط التنمية والازدهار والأمن للشعوب القاطنة في المنطقة، كما هو حاصل في جميع مناطق العالم الأخرى من تكتلات تجمع بين شعوب لا تتحدث لغة واحدة ولا تنتمي لأرومة واحدة، لا ثقافية ولا لغوية ولا دينية. أنا أعتقد بالعكس أن وحدة الثقافة والدين واللغة قد لعبت دورا سلبيا ودفعت إلى الهرب من مسألة التكتل الإقليمي سواء لأنها كانت سببا في احتدام التنافس على الزعامة بين القادة والتيارات السياسية العربية، أو لأنها شكلت مصدر خوف كبير لدى الدول الكبرى الغربية من تشكل قوة سياسية كبرى على حدودها الجنوبية تمثل تهديدا لأمنها وامن اسرائيل، ودفعتها إلى الوقوف بشدة في وجهها وإظهار العداء السافر لها. الأمة لا تنبع من وجود هوية ثقافية واحدة، إنها مسألة سياسية. وقد تتحول القومية الثقافية إلى أمة سياسية وقد لا تتحول. هذه مسألة تاريخية والعرب لم ينجحوا في ذلك وهذا هو أحد معاني إخفاق الحركة القومية العربية. ولا يستدعي قيام تكتل إقليمي اليوم وجود حتى هوية ثقافية ولكن التفاهم على مباديء مشتركة تعزز فرص التنمية الإنسانية للشعوب المنخرطة فيه. والتكتل في النهاية هو ثمرة مجموعة من الاتفاقات القانونية التي تسهل انتقال البشر والخبرات والرساميل والاستثمارات، على الطريقة الاوروبية، لا أكثر ولا أقل. ما يمنع من تحقيق ذلك هو غياب الإرادة السياسية عند النخب الحاكمة العربية، الناجم هو نفسه عن سيطرة مفهوم أبوي للسلطة يجعل من الدولة ومواردها ملكية شبه خاصة لأصحاب الأمر والقرار فيها. وأي دخول في مفاوضات جدية للتكتيل او حتى التنسيق يفضح هذه الحقيقة، ويبدو وكأنه القبول بالتفاوض على مكانة النخب وموقعها في الدولة والمجتمع، ويستدعي التنازل عن إدعاء الملكية الشخصية الكاملة والأبدية لها على الدولة ومواردها.
- ربما كنت الوحيد من علماء الاجتماع العرب الحداثيين الذين ما يزالون يؤمنون بإمكانية أن يلعب الدين قوة محرك أساسية في تحديث العالم العربي، بينما جل الأطروحات الاجتماعية الأخرى عند القوميين والليبراليين ترى في هيمنة الدين على مجالات الحياة الأخرى عامل تأخر وانتكاسة وعاما تقليد ومحافظة؟ كيف تشرح للقارئ العربي هذه الأطروحة وبماذا ترد على خصومك الفكريين في هذا الإطار؟
غليون:
من الصعب القول أن الدين عامل تحديث، وأقصى ما يمكن أن نقوله هو أن وجوده لا يتعارض بالضرورة مع التحديث ولا يفسر غيابه. والأمر يتعلق في النهاية بفهم الدين وبنوعية الفكرة السائدة عنه لدى المجتمعات والرأي العام. فهذا هو الأهم. وهذا ما أتحدث عنه عادة. في هذا الإطار يمكن القول إن الدين لعب دورا كبيرا في الحفاظ على هوية الشعوب المستعمرة ومدها بالقوة المعنوية والنفسية التي مكنتها من انتزاع الاستقلال الذي هو شرط للحداثة وطريق لها. وكان مذهب الاصلاح الديني الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر في حجر الاسلام العربي دافعا كبيرا لإزالة الخوف من الحداثة العلمية والفكرية والتقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية معا، وتشجيع الجمهور على الانخراط في الحضارة العصرية من دون خوف على فقدان هويته أو المساس بعقائده الدينية. ومن هذا الاصلاح وعلى يديه تربت أجيال النهضة الدستورية التي عرفتها البلاد العربية أو أكثرها في حقبة ما بين الحربين، وكان العديد من زعماء حركاتها من أصول أزهرية. وتستطيع الحركات الاسلامية المعاصرة أن تلعب دورا ايجابيا لصالح تحديث العالم العربي بالعمق لو تبنت، على طريقة إسلام حزب العدالة التركي، مذهب الديمقراطية ونشرته بين الأوساط الشعبية. وهذا النوع من الدين هو الذي يساهم اليوم في تعزيز الوطنية التركية ويضمن استمرار النظام الديمقراطي بعد أن تفككت القوى التقليدية التي كانت حاملة لهما من قبل.
لكن كما أشير دائما في كتاباتي عن الموضوع، لا يوجد الدين أبدا من دون تأويلات دينية. والذي يهم في النهاية هو هذه التأويلات. فإذا كانت عقلانية وإنسانية وديمقراطية، يلعب الدين دورا ايجابيا في تدعيم مسيرة التحول الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الاسلامية، والعكس صحيح أيضا. فإذا كانت التأويلات سلبية معبرة عن الانغلاق والتقوقع والعزلة والعداء للخارج ولكل ما هو اجنبي لأنه أجنبي، بصرف النظر عن فائدته ومضمونه العقلي، كان تأثيرها بالضرورة تأثيرا سلبيا ومؤذيا للجماعة الوطنية وللأفراد المشتغلين بها في الوقت نفسه. إذن لا يمكن الحديث عن الدين بشكل عام ولكن عن الأفكار الانسانية أو الايديولوجيات السائدة، بصرف النظر عما إذا كان حاملوها يسندونها إلى عقائدهم الدينية أم لا
- اختلفت مع المفكر الاقتصادي سمير أمين ( ماركسي) ومحمد سليم العوا (إسلامي) في تشخيص طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم العربي. فالأول يرى بأن أزمة العالم العربي أزمة اقتصادية وبالتالي أزمة رأسمالية، بينما الثاني يقرن أسبابها بأزمة أخلاقية دينية. في حين يرى المفكر محمد عابد الجابري بأنها ثقافية. هل أسباب الأزمة في العالم العربي متشابهة بين أقطاره، ومن ثم أنت ترى بأن أسباب الأزمة تكمن في أزمة حداثة مزيفة. سؤالي هل يمكن أن نقترب من رؤية موحدة للأزمة دون السقوط في فخ تغليب عامل دون آخر؟ وهل من سبيل لتجاوز وضعية الأزمة الحالية؟
غليون:
كما تقول بالضبط، اختلافي مع التحليلات التي ذكرت ينبع من اعتمادها عاملا واحدا وتجاهل العوامل الأخرى المسببة للأزمة. في المقابل أنا أعتقد أن سبب الأزمة هو مأزق الحداثة وتوقف عملية التحديث العميقة التي حلمنا بها وعملنا من أجلها واستمثرنا فيها من جهدنا ومواردنا. وعملية التحديث تعني في الوقت نفسه اقتصادا رأسماليا متطورا، وثقافة عقلانية وعلمية، وسياسة قومية، ودولة ديمقراطية. وما حصل لنا هو أننا انقطعنا كليا عن ماضينا، وتغيرت خلال أكثر من قرن ونصف مشاعرنا وقيمنا وتطلعاتنا واهتماماتنا، ولم يعد يحركنا حلم آخر سوى التحول إلى بلدان صناعية والسيطرة على موارد المعرفة العلمية والتقنية وبناء الدولة القومية الديمقراطية. وفتحنا أعيننا فجأة فوجدنا أنفسنا معلقين في الفراغ، لا دولة ولا أمة ولا صناعة ولا زراعة ولا ديمقراطية ولا ثقافة وإنما نظما ونخبا فاسدة وهزائم وطنية متواصلة ونزاعات إتنية وطائفية نامية ومعارف بالية وبائدة. أصابنا الدوار وشعرنا بأننا خدعنا وأن الحداثة نفسها لم تكن سوى خدعة كبرى. وهرع كل منا إلى البحث عما يملأ عليه الفراغ الروحي والنفسي والفكري والاجتماعي والمادي معا. فاكتشف بعضنا الدين أو أعاد اكتشافه كمصدر لقيم ومباديء وأفكار توجه الممارسة وتضمن الاتساق مع الذات، أي تأكيد ما يشبه الهوية. واكتشف بعضنا الآخر العلمانية باعتبارها عقيدة الحداثة وجوهرها. وأنقسمت مجتمعاتنا وتنازعت على تحديد الهوية ورسم التوجهات القيمية والأخلاقية والسياسية المستقبلية. وسبب وصول حداثتنا إلى المازق أو الطريق المسدود هو كما ذكرت طبيعتها الرثة (وليس المزيفة). والرثاثة تعني حداثة لا روح فيها ولا قانون ولا نظام. فهي حداثة مسخ عدوها الأول الانسان. وليس من الممكن لحداثة ضد الانسان أن تنمو وتصبح حداثة الانسان أو تبني إنسانا جديدا. لذلك كان مأزق الحداثة يعني أزمة شاملة في الاقتصاد والسياسة والدولة والثقافة والعقل والضمير معا.
وليس هناك سبيل للخروج من الأزمة إلا بمراجعة نظرتنا للحداثة وإعادة بنائها على أسس إنسانية، أي تضع تحرير الإنسان وانعتاقه في مركز اهتمامها وتجعل منه غايتها، وهو ما يتطلب إلغاء الوصايات المتعددة المفروضة عليه، وتحريره من الارتهانات الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي تعطل عقله وضميره وتحرمه من تنمية طاقاته بل وتحسس إنسانيته.
- انتقدت بحدة العلمانية في العالم العربي، واعتبرتها مشجبا للنخب الحاكمة في بعض الدول العربية لتبرير عقيدة الدولة السياسية ولوي عنق الحركات الإسلامية. لكن بالمقابل ترى أن الدين يمكن أن يكون عاملا تغيير في المجتمعات العربية، بينما الحقيقة أن الدين انكفأ عن أن يكون عامل تغيير وتحويل في المجتمعات العربية منذ أن سدت أبواب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، هل لك أن تشرح لنا هذه الفرضية وما هو السبيل للخروف من شر الدولة الدينية وشر الدولة العلمانية؟
غليون:
ما انتقدته في الواقع هو العلمانية العربية بوصفها نسخة مشوهة وموتورة للعلمانية كما عبرت عن نفسها في العقود القليلة الماضية في سياق الفترة الاستبدادية التي شهدتها مجتمعاتنا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لا ينطبق على الفترة الليبرالية السابقة. فهنا أ
ما الذي يفسر ما تعرفه المجتمعات العربية من استهتار بالحياة القانونية على مستوى الدولة والمجتمع معا، وارتدادها نحو العصبية والتضامنات البدائية والاستسلام لغريزة الاقتتال والعنف؟ سؤال فاجأني به أحد مسؤولي منظمات حقوق الإنسان الدولية. في زيارته الأخيرة لباريس. وبالفعل لا يمكن للمراقب المحايد أن ينكر أن أكثر ما يسم وضع المجتمعات العربية الراهنة هو غياب احترام القانون وضعف الحوافز الأخلاقية، إلى درجة يبدو فيها وكأن القوة وحدها هي التي تقوم فيها بترتيب العلاقات وأشكال الانتظام الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي تمتد من العائلة إلى الدولة. ولا يكاد سلوك أو جهد يقوم على أصول أو قواعد مرعية واضحة، وكل ما نقوم به، من التربية الفردية إلى الحرب، يجري تقريبا خارج أي مثال أو أطر واضحة فقهية وعلمية وسياسية، كما لو أن التقاليد التي درجت النظم عليها، بما تمثله من خبرة مختزنة وثابتة مستمدة من التجربة الانسانية الطويلة، قد ضاعت تماما، ولم يعد هناك أي مرجعية واضحة يستند إليها الفرد أو الجماعة أو الدولة في أفعالهم أو ترتيب شؤونهم وحقول ممارستهم. لا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يثير تساؤلات عديدة، خاصة عندما يتذكر المرء ما حفلت به الحضارة العربية من تراث فقهي وتعلق بالتقاليد واحترام شديد للشرعية والأصول المرعية.
هناك في نظري أربع تجارب أو بالأحرى محن تفسر ربما هذا الانهيار في معنى القانون في المجتمعات العربية. الأولى هي المحنة الاستعمارية. فبالرغم من تحديثها للدولة وإدارتها ومؤسساتها القانونية والقضائية، إلا أنها قوضت معنى القانون باستخدامها لتطبيقه في حقل العلاقات المدنية كغطاء لممارسة عامة غير شرعية وغير قانونية، وبقدر ما أدخلت من مفاهيم ومعايير وقيم مرتبطة بالحرية والعدالة والمساواة لتبرير تدخلها في الشؤون العربية، شكل حكمها نفسه نفيا عمليا يوميا للعنصر الرئيسي الذي تصدر عنه هذه القيم والمعايير القانونية، وهو الإرادة الوطنية والسيادة السياسية. وبينما تذرعت بتعليم شعوبنا القانون، لم يقم وجودها إلا على أساس القوة والقهر والإكراه. فالسلطة الاستعمارية هي التي أعطت المثال الأول والأهم على اغتصاب إرادة المجتمعات والجماعات والأفراد وحكمهم خارج القانون وضد إرادتهم أو بالرغم منهم. هل هناك مثال لتلاعب الاحتلال والاستعمار بمفهوم القانون والشرعية أفضل من مثال احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003؟ فكيف يمكن، بعد تجربة معسكرات عوانتانامو، وممارسة أقسى أنواع الإذلال والإهانة النفسية والجسدية التي فضحتها الصحافة الدولية، وهي ليست إلا التتويج الأخير للممارسة والسياسة الاستعماريتين في البلاد الضعيفة، والعربية منها بشكل خاص، بعث الثقة بالقانون أو الايمان بشرعة دولية أو بقيم تضامن إنسانية ما فوق قومية؟
التجربة الثانية التي ساهمت في تدمير تقاليد الشرعية والأصول القانونية، وعلمت الناس الايمان بتفوق مبدأ القوة على الحق، ونجاعة خرق القانون وسهولته، جاء على يد الاستيطان اليهودي في فلسطين. فقد اتبع هذا الاستيطان التقليد الاستعماري ذاته، لكن مع تحويله إلى كاريكاتير لدرجة أصبحت الهوة لا تعبر بين الخطاب القانوني والإنساني المعلن والممارسة العملية، القائمة على التوسع من دون حدود في استخدام القوة، والرهان الوحيد عليها لضمان وجود الطعم الاستيطاني اليهودي في فلسطين واستمراره. باستخدامها خرق القانون والاعتداء على الحريات الفردية وانتزاع الملكية والاحتيال على القوانين الدولية والابتزاز بصورة الضحية لتحقيق مصالح استعمارية آنية وبعيدة المدى معا، وبإهدارها حقوق الناس ومصالحهم، شكل قيام الدولة اليهودية الاستيطانية ضربة قاصمة لمفهوم الحق والقانون والعدالة والانسانية، وأحدث شرخا عميقا في الصمير الانساني والوعي القانوني عند أي عربي عاش التجربة الاستيطان
Normal
0
21
false
false
false
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
1. كمال العيادي —
العزيزة الغالية فاطمة,
شدّني الموضوع الذي قمت بطرحه للنقاش, وقد شدّني من قبل كلّ ما قرأت لك من إحالات نافذة وملهمة…وإيمانا منّي بأهمّية الموضوع, أدعو كلّ الأحبّة للمشاركة في هذا الطبق الإبداعي المثمر…ويشرّفني أن أدرج نصّ مقال كنت قد كتبته حول نفس الموضوع, بطلب من مجلّة الرجل, وقد نشر منذ بضعة أشهر…ويدور حول تجربتي الشخصية مع المقاهي ولكم سيكون مجديا وملهما أن يشارك المبدعون والقراء في هذا الملف :
يخيّل لي أحيانا، أنّ كلّ ما يكتبه الكتّاب والشعراء، إنّما هو من بعضا من بقايا ُفتاة الإبداع المنثور فوق موائد المقاهي الخشبيّة. أن المقهى يمثّل الغرفة الأرحب في قلب المبدع. فهو عالمه الضيّق حينا، والمتّسع أحيانا. بديل عـادل عن طاولته بالبيت، المحددة بأربعة مقاعد، تضيق مسبقا بضيف خامس، وأن اتّسع له قلب المضيّف. ففي المقهى، وجوه تتدافع بجذل أو عبوس . في ممرّات عالمك الشخصيّ دون أن تضطر لشدّ جرس الباب، وطلب الإذن بالدخول. إطلاقا لا يزعجك ذهابها دون تسليم، ولا حلولها دون تحيّة . مملكة خاصة لا يشاركك في ملكيتها أحد. رغم كثرة ملاكها. فكل الروّاد شركاء وكلّ يدعي علنا بأنّها بيته، دون الشعور بضرورة الدّفاع عن ملكيته، مملكة لا تضيق بتعدد مالكيها وملوكها، وكلّ كرسي فارغ بها يشحذ الرّغبة في جليس جديد. جليس ينازعك عن حبّ و بأريحيّة ملكية ما تملك. فالشركاء شرط لوجودك فيها وسبب لبقائك بها. عالم لا تختار شخوصه. بل أن مشاعـيّته هي الشرط الرئيس للتلذذ بتفرّدك فيه. سبب لسقوط مبررات أنانيّة الملكيّة الخاصة، وفرصة لردّ الاعتبار للكرم البديهي في أعماق وجبروت ذاتنا الأصيلة رغم نزق الوقت و المادة. إنّه بديل مشروع وغريب لقوّة إحساسنا بالرغبة في التفرّد و التواصل مع الآخر.
وكيفما كان حضور المقهى وأينما كان موقعه الجغرافي، بين بلد وآخر فهناك بالتأكيد قواسم مشتركة و ثابته لا يمكن عدم الانتباه إليها. فهي مدارات لتفاعل الماضي بالحاضر، وصورة مصغرة تمكّن من رصد الواقع والخبرة الحياتيّة للمجتمع. وفرصة للمّ الذكريات وشحذ العواطف بكل أبعادها من الحب إلى الكراهيّة مرورا بالامبالاة. وهي كذلك حافظة الطرائف والنوادر والحكايا الجميلة البريئة أو الماكرة المسيئة. ولا يمكن أن يخلو مقهى من روّاد من أولئك الذين يرشون في أجوائه توابل الحكايات وملح الأخبار, تلك التي تؤذي في بعض الأحيان ولكنها ضرورية لاستقبال الصباح الموالي بأكثر دربة وخبرة وحياة. ولا أظن أن مقهى ضاق يوما بشاعر متسع القلب، إنّ كلّ أباطيل التشنجات العابرة لا تؤذي جوهر روح المبدع الأصيل ذلك أنّها بعض منه. وسماد لا غنى عنه لتحلّل بذور الإبداع فيه, رغم عطانتها في بعض الأحيان.
وقد كانت المقاهي دئما شريطا لازقا للواقع الخارج عن جدرانها الأربعة. تدجّن فيها الأخبار وتفرغ مع بنّ قهوتها و حشيشة شايها رغبات المثقفين الفاعلين والكسالى الخاملين الذين يتخذون من طاولات المقهى بديل لفشلهم الآني أو المزمن. فهناك فقط تصطف جنود السرد البكر الآسر بثبات لضرب مواقع الصمت وبؤس السكون. والكتاب عموما هم أكثر المنتفعين من فضاءات المقاهي. ولعلّ أجمل الأشعار والحكايات، هي تلك التي نقشت في ذاكرة الجليس قبل نقشها على بياض الورق. فاختلاط الروائح من عطور قاسية ودافئة وحوامض الأجساد الطيبة والمكثفة واختلاط طبقات الأصوات والهمهمات والأسرار التي يسبق إذاعتها صمغ الإغراء بلفظ أرجوك هذا س
Normal
0
21
false
false
false
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
|*| في فن السيناريو: مشكلة وحل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعمل في تصحيح السيناريوهات لقاء أجر وذلك من العام 2005 . هناك أجر لقراءة سيناريو فيلم وكتابة رد من فقرة تحدد ما هو مطلوب له. إذا كان بحاجة الى أن أقوم بتصحيحه فالسعر يصبح كذا، وإذا كان بحاجة الى إعادة كتابة فإن السعر كذا… الى آخره٠
لكني لا أتقاضى أجراً على سيناريو فيلم دون الربع ساعة. ليس بعد. وقد وصلني قبل نحو أسبوع سيناريو فيلم قصير قرأته وأبديت عدّة إقتراحات للكاتب الذي بعث به وهو استقبلها جيّداً وأعاد كتابة السيناريو معتمداً على الكثير مما اقترحته. لكن حين استلمت ذلك السيناريو إعتقدت أن الكاتب يريد إخراجه فلم أعبأ بمشكلة أجدها موزّْعة بين العديد من الكتّاب: إنهم يريدون تحديد المسائل التقنية التي هي من إختصاص المخرج وإرشاده الى زاوية وحجم اللقطة وحركة الكاميرا وكل ما له علاقة بصياغة اللقطة التي هو الوحيد المسؤول عنها. بما أني أعتقدت أن المرسِل سيقوم بإخراج السيناريو بنفسه لم أعر هذه النقطة إهتماماً، لكنه كتب لاحقاً يقول لي أنه كتبه ليقوم مخرج آخر بإخراجه٠
الحقيقة أن المخرجين لا يحبّون أن يقوم كاتب السيناريو بتحديد او إقتراح ما يرى أن عليهم القيام به. في كتابة السيناريو لا تقول: "لقطة كلوز أب على نحلة حطّت على وردة. تتراجع الكاميرا الى الخلف لنتبيّن أننا في حقل واسع مليء بالورود، وهناك أكثر من نحلة تحوم فوقها". هذا ممنوع لأنه تدخّل في طريقة المخرج في التعبير وفي عمله. فهو ربما يريد أن يبدأ بالحقل او أن يبدأ بالنحلة ثم يقطع الى الحقل من دون الرجوع الى الوراء. الرؤية التنفيذية هي له وليست للكاتب٠
لكن هناك طرقاً تستطيع أن توحي للمخرج من دون أن تثير إنزعاجه خصوصاً إذا كانت المسألة كيف تفرز له لقطة قريبة في مشهد ما. مثلاً أ تقول٠
حاجز شريطي في يوم عاصف. ورقة نقدية من
فئة المئة دولار ملتصقة بالحاجز لا تتحرّك بفعل
قوّة العاصفة التي تهب عليها٠
ملتصقة به بفعل
في هذا المثل نجح الكاتب في الإشارة للمخرج دون مواربة إنما بشكل غير مباشرمقترحاً عليه كلوز أب (لكن تركت له حرّية كيف يصل الى هذا الكلوز أب: هل يصل إلى تشكيله بزوم إن او لقطة دخيلة على ما سبقها او تلاها) فحتى يتبيّن للمشاهد أن الورقة المالية من فئة المئة دولار لابد أن تكون اللقطة كلوز أب٠
هذا المثل يصلح لكل شيء. مثلاً تريد للمخرج أن يوفر لقطة خاصّة لطير في قفص . إذا كتبت "كلوز أب" للطير في القفص- تدخّلت في عمله (أعلم أن بعض المخرجين عندنا يريدونك أن تذكر ذلك لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون) لكن إذا قلت مثلاً "نلحظ جرحاً عند منقاره" كان لابد له، إذا ما كان للمشهد قيمة، أن يعمد الى ذلك الـ "كلوز أب" كما تصوّرت او أردت٠
هذا في عداد الـ "كلوز أب" وحده … تصوّر لو أن السيناريو كان مليئاً بالإرشادات الشبيهة: زوم إن، تراكينغ شوت، إختفاء تدريجي، زوم آوت، بان سريع الخ…٠
غداً: مشكلة أخرى وحل آخر٠
كتابةُ فيلم قصير
ديرمت تينان











